الثعالبي

96

جواهر الحسان في تفسير القرآن ( تفسير الثعالبي )

وقوله سبحانه : ( من يهد الله فهو المهتدي ومن يضلل فأولئك هم الخاسرون ) ، القول فيه : أن ذلك كله من عند الله : الهداية منه وبخلقه واختراعه ، وكذلك الإضلال ، وفي الآية تعجيب من حال المذكورين . وقوله سبحانه : ( ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس ) ، هذا خبر من الله تعالى أنه خلق لسكني جهنم والاحتراق فيها كثيرا ، وفي ضمنه وعيد للكفار ، " وذرأ " : معناه : خلق وأوجد ، مع بث ونشر . وقوله سبحانه : ( لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها أولئك كالأنعام بل هم أضل . . . ) الآية : لما كانت هذه الطائفة الكافرة المعرضة عن النظر في آيات الله ، لم ينفعهم النظر بالقلب ، ولا بالعين ، ولا ما سمعوه من الآيات والمواعظ ، استوجبوا الوصف بأنهم لا يفقهون ، ولا يبصرون ، ولا يسمعون ، والفقه : الفهم ، ( أولئك كالأنعام ) في أن الأنعام لا تفقه الأشياء ولا تعقل المقاييس ، ثم حكم سبحانه عليهم بأنهم أضل ، لأن الأنعام تلك هي بنيتها وخلقتها ، وهؤلاء معدون للفهم والنظر ، ثم بين سبحانه بقوله : ( أولئك هم الغافلون ) الطريق الذي به صاروا أضل من الأنعام ، وهو الغفلة والتقصير . قال الفخر : أما قوله تعالى : ( أولئك كالأنعام بل هم أضل ) ، فتقريره : أن الإنسان وسائر الحيوانات متشاركة في قوى الطبيعة ، الغاذية ، والنامية ، والمولدة ، ومتشاركة أيضا في منافع الحواس الخمس ، الباطنة والظاهرة ، وفي أحوال التخيل ، والتفكر ، والتذكر ، وإنما حصل الامتياز بين الإنسان ، وسائر الحيوانات ، في القوة العقلية والفكرية التي تهديه إلى معرفة الحق ، فلما أعرض الكفار عن أحوال العقل والفكر ، ومعرفة الحق ، كانوا كالأنعام ، بل هم أضل ، لأن الحيوانات لا قدرة لها على تحصيل هذه الفضائل ، وقد قال حكيم الشعراء : [ البسيط ]